الرئيسية Slidershow الأخبار الأخبار العاجلة  

عدد المشاهدات :2
من حي الطيرة إلى جامعات الصين... حيث يبدأ المستقبل بالعلم

من حي الطيرة إلى جامعات الصين... حيث يبدأ المستقبل بالعلم

بقلم: الإعلامي علي السنتريسي

 

قرأت باهتمام مقال سعادة السفير الصيني الجديد لدى دولة فلسطين، سون تشين، الذي استعرض فيه مشاهد احتفال الطلبة الفلسطينيين بنتائج الثانوية العامة، وما حملته تلك المشاهد من مشاعر إنسانية صادقة، رابطًا بين فرحة الطلبة الفلسطينيين وفرحة أقرانهم في الصين عند إعلان نتائج امتحان القبول الجامعي، وكان ذلك تذكيرًا بواحدة من الحقائق الراسخة، وهي أن التعليم يظل الجسر الأقوى الذي تعبر من خلاله الأمم نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.

 

وعندما نتأمل التجربة الصينية الحديثة، ندرك أن نهضة هذا البلد لم تكن نتاج المصادفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية آمنت بالعلم والعمل والانضباط، وجعلت الاستثمار في الإنسان، ولا سيما الشباب، حجر الأساس في مشروعها التنموي، فمن خلال التعليم والبحث العلمي والابتكار، استطاعت جمهورية الصين الشعبية أن ترسم مسارًا تنمويًا جعلها اليوم في طليعة الاقتصادات العالمية، ومركزًا متقدمًا في التكنولوجيا والصناعة والعلوم.

 

وتجسد مسيرة الرئيس شي جين بينغ، الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ورئيس جمهورية الصين الشعبية، جانبًا من هذه التجربة؛ فقد بدأ حياته في ظروف صعبة، وعمل في المناطق الريفية، قبل أن يتدرج في مواقع المسؤولية حتى وصل إلى قيادة البلاد، وخلال السنوات الماضية واصلت الصين مسيرة التحديث، وعززت بنيتها التحتية، ووسعت صناعاتها المتقدمة، ورسخت مكانتها في مجالات الابتكار والبحث العلمي، حتى أصبحت من الدول الرائدة عالميًا في تسجيل براءات الاختراع، والتكنولوجيا المتقدمة، والتصنيع، والتجارة الدولية.

 

وما يميز التجربة الصينية أن الشباب لم يكونوا مجرد مستفيدين من التنمية، بل كانوا شركاء حقيقيين في صناعتها، فالجامعات، ومراكز الأبحاث، والمختبرات، والمناطق الصناعية، والشركات التكنولوجية، تحولت إلى منصات يترجم فيها ملايين الشباب أفكارهم إلى ابتكارات وإنجازات تسهم في خدمة وطنهم والإنسانية.

 

وفي فلسطين، ونحن نتابع فرحة طلبتنا الناجحين في الثانوية العامة، لا ننظر إلى شهاداتهم بوصفها نتائج امتحانات فحسب، بل نرى فيها بداية رحلة جديدة نحو صناعة المعرفة. فبين هؤلاء الطلبة علماء المستقبل، ومهندسوه، وأطباؤه، ومبرمجوه، وباحثوه، الذين سيواصلون بناء وطنهم رغم ما يواجهونه من تحديات. فالشعب الذي يتمسك بالتعليم في أصعب الظروف يمتلك دائمًا القدرة على النهوض وصناعة الأمل.

 

وخلال الأيام الماضية، تلقيت العديد من الاستفسارات من أولياء أمور فلسطينيين، بحكم علاقاتي الممتدة مع الأصدقاء في الصين، حول فرص التحاق أبنائهم بالجامعات الصينية، ولا سيما في تخصصات الذكاء الاصطناعي، والهندسة، والطاقة، والتكنولوجيا، والصناعات المتقدمة، ولمست في تلك الأسئلة إدراكًا متزايدًا للمكانة التي وصلت إليها الجامعات الصينية، ورغبة حقيقية في أن يستفيد الشباب الفلسطيني من هذه التجربة الأكاديمية والعلمية المتقدمة.

 

ومن هنا، تبرز أهمية توسيع آفاق التعاون الأكاديمي بين فلسطين والصين، وزيادة المنح الدراسية، وتعزيز برامج التبادل العلمي والبحثي، لأن الاستثمار في تعليم الشباب هو الاستثمار الأكثر استدامة، وهو الطريق الأقصر لبناء المستقبل.

 

ونأمل أن تمتد فرحة الأسر الفلسطينية بأبنائها إلى ما بعد نتائج الثانوية العامة، لتتجدد يوم تخرجهم من الجامعات، وعودتهم إلى وطنهم مزودين بالعلم والخبرة، ليسهموا في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتطوير الصناعة، وتعزيز الابتكار والتكنولوجيا، وخدمة مجتمعهم.

 

لقد أثبتت جمهورية الصين الشعبية، التي يتكون مجتمعها من 56 قومية، أن الدول التي تجعل التعليم أولوية وطنية، وتنظر إلى الشباب باعتبارهم ثروة استراتيجية، تستطيع أن تحقق إنجازات استثنائية خلال فترة زمنية وجيزة، وفلسطين، بما تمتلكه من طاقات بشرية متميزة وعقول مبدعة، تستحق أن تحظى بالفرص ذاتها، وأن ترى أبناءها شركاء في صناعة المستقبل داخل الوطن وخارجه.

 

ومن شارع الطيرة في مدينة رام الله، حيث يقع مقر السفارة الصينية ويرفرف العلم الصيني فوقها شامخًا، إلى الجامعات الصينية التي تحتضن آلاف الباحثين والمبتكرين، تمتد رسالة واحدة تؤكد أن العلم هو اللغة المشتركة بين الشعوب، وأن الشباب هم الثروة الحقيقية التي تُبنى بها الأوطان، وأن المستقبل يبدأ من مقعد دراسي، ثم من مختبر جامعي، قبل أن يتحول إلى فكرة، فابتكار، فإسهام يخدم البشرية.

 

وفي الختام، نتمنى لسعادة السفير سون تشين كل التوفيق في أداء مهامه، وأن تشهد فترة عمله في فلسطين مزيدًا من التطور في العلاقات الفلسطينية الصينية، ولا سيما في مجالات التعليم، والبحث العلمي، والاقتصاد، والتجارة، والتبادل الثقافي والأكاديمي، فالعلاقات التي تجمع البلدين، بما تحمله من رصيد سياسي ودبلوماسي، وما شهدته من زيارات متبادلة في مجالات التجارة والتعليم والتدريب والتواصل بين المؤسسات والأحزاب ولجان الصداقة، تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون المثمر، وتعكس عمق الصداقة التاريخية، وثبات الموقف الصيني الداعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.