
تصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة والقدس واستمرار جرائم الاحتلال في غزة وجهان لمنظومة واحدة تستهدف الشعب الفلسطيني
تتابع دائرة حقوق الإنسان والمجتمع المدني في منظمة التحرير الفلسطينية ببالغ الخطورة التصاعد المتسارع والمنظم لاعتداءات المستوطنين في مختلف محافظات الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، بالتوازي مع استمرار جرائم قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء شعبنا في قطاع غزة.
وتؤكد الدائرة أن ما يجري لم يعد سلسلة اعتداءات فردية أو أحداثًا متفرقة، وإنما نمط منظم ومتسع جغرافيًا من العنف الاستعماري، يجري في ظل حماية قوات الاحتلال وتواطئها، ويستهدف الإنسان الفلسطيني وأرضه وممتلكاته وموارده، بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض ودفع السكان الفلسطينيين إلى الرحيل عن مناطقهم.
وقد تركزت الاعتداءات خلال الأيام الأخيرة بصورة خاصة في محافظة نابلس، ولا سيما في قصرة، وبيت فوريك، وبيت دجن، وعورتا، وأوصرين، وصرة، والمراجم، حيث تتعرض بلدة قصرة بصورة خاصة لحملة متواصلة من الحصار والاعتداء ومحاولات السيطرة على المنازل والأراضي المحيطة بها.
كما تشهد محافظة رام الله والبيرة تصعيدًا ملحوظًا، ولا سيما في المغير، وأبو فلاح، وسنجل، والطيبة، وسلواد، ودير جرير، وتجمعات الكعابنة، شمل إطلاق النار والاعتداء على المواطنين والمزارعين والمتضامنين، وتخريب المزروعات والممتلكات وإقامة وتوسيع بؤر استعمارية جديدة.
وفي محافظة الخليل، تتركز الاعتداءات في مسافر يطا، وأم الخير، وشعب البطم، وأديقيقة، وإذنا ومحيط يطا، وتشمل الاعتداء الجسدي وإطلاق النار وإحراق المساكن ومهاجمة الرعاة والمزارعين ومحاولات الاستيلاء على الأراضي وإقامة بؤر استعمارية جديدة. وقد وصلت خطورة هذه الاعتداءات إلى إصابة الممرض محمد نبيل مطور من سعير بالرصاص وإصابته في العمود الفقري والحبل الشوكي.
وفي محافظة بيت لحم، شهدت مناطق أبو نجيم، وبيت فجار، ومحيط برك سليمان والخضر وأرطاس اعتداءات على المواطنين والمنازل والأراضي، فيما تعرض مواطن في أبو نجيم لإطلاق النار، وتعرضت سيارة الإسعاف وطاقمها للاعتداء أثناء محاولتهم الوصول إليه.
أما في الأغوار الشمالية، ولا سيما حمامات المالح، والرأس الأحمر، وعين الحلوة والحديدية، فتتخذ الاعتداءات طابعًا يستهدف الوجود الفلسطيني ذاته، من خلال مهاجمة التجمعات السكانية، وملاحقة الرعاة، والاستيلاء على الأراضي وتسييجها، وتخريب خطوط المياه، والتهديد المباشر بترحيل السكان.
وفي القدس المحتلة ومحيطها، تتواصل سياسة الاستيطان والتهجير والتضييق على المواطنين، بما في ذلك الاعتداءات في سلوان وبطن الهوى، وجبل المكبر، وبيت حنينا، وصور باهر وواد الحمص، ومحيط تجمع معازي جبع البدوي، بالتوازي مع دفع مخططات استعمارية جديدة تستهدف أم طوبا ومناطق أخرى من المدينة المحتلة.
كما تمتد اعتداءات المستوطنين إلى جنين وسلفيت وطوباس والأغوار ومناطق أخرى من الضفة الغربية، بما يؤكد أن ما يجري ليس استهدافًا لقرية أو محافظة بعينها، وإنما محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بالقوة وخلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين.
وترى الدائرة أن إرهاب المستوطنين لا يمكن فصله عن سياسات سلطات الاحتلال؛ فالتوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي وإقامة البؤر والهدم وإغلاق الطرق والاعتداء المسلح على السكان تشكل حلقات مترابطة في سياسة واحدة تهدف إلى تكريس السيطرة الاستعمارية وفرض التهجير القسري وتقويض وحدة الأرض الفلسطينية.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه هذه الجرائم في الضفة الغربية والقدس، يستمر الاحتلال في جرائمه بحق أبناء شعبنا في قطاع غزة، عبر القصف والقتل والإصابة وتدمير مقومات الحياة واستهداف المدنيين والبنية التحتية وعرقلة الوصول إلى الخدمات الأساسية، في استمرار لمعاناة إنسانية غير مسبوقة.
إن الدائرة تنظر إلى ما يجري في غزة والضفة الغربية والقدس باعتباره مشهدًا واحدًا وسياسة واحدة تستهدف الشعب الفلسطيني ووحدة أرضه وحقوقه الوطنية؛ ففي غزة تتواصل عمليات القتل والتدمير، وفي الضفة والقدس يتسع الاستيطان ويتصاعد عنف المستوطنين ومحاولات الاستيلاء على الأرض والتهجير.
وتؤكد الدائرة أن القوة القائمة بالاحتلال تتحمل المسؤولية القانونية عن حماية السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، وأن عدم منع اعتداءات المستوطنين أو توفير الحماية لهم أو المشاركة في هذه الاعتداءات يثير مسؤولية دولة الاحتلال بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
كما تؤكد أن الاستيطان ونقل سكان دولة الاحتلال إلى الأرض الفلسطينية المحتلة يتعارضان مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، وأن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق المدنيين والممتلكات يجب أن تخضع للتحقيق والمساءلة، وألا يتم التعامل معها باعتبارها مجرد حوادث أمنية منفصلة.
وعليه، تطالب دائرة حقوق الإنسان والمجتمع المدني:
- المجتمع الدولي والأمم المتحدة باتخاذ إجراءات فورية وملموسة لحماية السكان الفلسطينيين، خصوصًا في القرى والتجمعات الواقعة تحت الهجوم المباشر للمستوطنين.
- الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف بتحمل مسؤولياتها القانونية في ضمان احترام القانون الدولي الإنساني وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة.
- المحكمة الجنائية الدولية والجهات القضائية الدولية المختصة بإيلاء جرائم الاستيطان والتهجير والاعتداءات المنظمة على المدنيين والأراضي والممتلكات الاهتمام اللازم ضمن مسارات التحقيق والمساءلة.
- اتخاذ إجراءات دولية بحق المستوطنين والمنظمات والجهات التي تمول أو تنظم أو تدعم الاعتداءات، وعدم توفير أي شكل من أشكال الحماية أو الإفلات من العقاب لمرتكبيها.
- توفير حماية خاصة للتجمعات الفلسطينية الأكثر تعرضًا لخطر التهجير، وفي مقدمتها قصرة وقرى جنوب وشرق نابلس، والمغير وأبو فلاح وسنجل وتجمعات شرق رام الله، ومسافر يطا، والأغوار الشمالية والتجمعات البدوية، والمناطق المهددة في القدس المحتلة.
وتشدد الدائرة على أن الإفلات من العقاب هو أحد أهم أسباب اتساع دائرة الجرائم، وأن استمرار المجتمع الدولي في التعامل مع هذه الاعتداءات دون إجراءات رادعة يشجع على تكرارها وتوسيعها.
إن حماية الشعب الفلسطيني ليست مسألة إنسانية فحسب، وإنما التزام قانوني دولي، ولن يتحقق الأمن والاستقرار في المنطقة دون إنهاء الاحتلال والاستيطان ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، وضمان حقه في تقرير مصيره وتجسيد دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.
دائرة حقوق الإنسان والمجتمع المدني
منظمة التحرير الفلسطينية
15 آب/أغسطس 2026