الدراجة الهوائية شاهد على تاريخ ونضال مرتبط بمسيرة نضالية ومهنية للامين العام شي جي بينغ
بقلم : الاعلامي النقابي علي السنتريسي
بكين / القدس
الرموز هي "لغة بصرية" تختصر تاريخاً طويلاً من النضال، الثقافة، والهوية، هي لا تمثل فقط الماضي، بل تعمل كجسر يربط الفرد بجماعته ويمنح الأمة صوتاً مسموعاً أمام العالم ، حيث تتحول هذه الأدوات والرموز إلى أيقونات عالمية.
كوفية الزعيم الرمز ياسر عرفات تجاوزت كونها قطعة قماش لتمثل "هوية نضالية"، و أسلوب ارتداء عرفات لها (الذي كان يشكل خريطة فلسطين أحياناً) جعلها رمزاً عالمياً للتحرر، حتى أن شباباً في قارات بعيدة ارتدوها كإعلان عن التضامن مع قضايا العدالة، حتى دون الخوض في التفاصيل السياسية.
* سور الصين العظيم: في الصين، يمثل السور "العمود الفقري" للأمة ، هو ليس مجرد بناء دفاعي، بل رمز للمثابرة، الوحدة، والقدرة على مواجهة الصعاب، بالنسبة للـ 56 قومية صينية، يمثل السور والرموز التراثية الأخرى (مثل التنين أو زهرة اللوتس) مظلة "الوحدة في التنوع"، حيث تساهم كل قومية برمزها الخاص (كالملابس التقليدية أو الآلات الموسيقية) في تشكيل الهوية الصينية الكبرى.
ومن النماذج العالمية الاخرى ( مغزل غاندي) الذي كان يرمز للمقاومة السلمية والاعتماد على الذات في وجه الاستعمار البريطاني ، و قبعة "اليوشانكا" الروسية، التي ارتبطت بالصمود في وجه البرد والحروب ، و نسر بونتشو المكسيكي ، الذي يربط الدولة بجذورها من حضارة الأزتيك.
هذه الرموز تتحول بمرور الوقت إلى "قوة ناعمة"؛ فهي تمنح الشعوب شعوراً بالفخر والانتماء، وتسهّل على العالم الخارجي التعرف على قضاياهم بلمحة بصرية واحدة.
وخلال زيارتي الاخيرة الى الصين في شهر ابريل المنصرم ، وخلال اللقاءات مع السياسيين وكوادر الحزب الشيوعي الصيني ، والزيارات الميدانية والندوات التي شاركت فيها ضمن وفد استطلاع اعلامي عربي ، بدعوة من إدارة غرب آسيا وشمال افريقيا بدائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، قرأت علينا احدى الفتيات الصينيات خلال الندوة الدولية للشباب ، قصة بسيطة عن الدراجة الهوائية التي كان يستخدمها الأمين العام شي جينغ بينغ خلال مسيرته السياسية المبكرة في مارس عام 1982، وقد لفت انتباهي هذا الاعتراز والنبرة القوية في سرد القصة من قبل الفتاة "سامية "، وهو الاسم العربي الذي استخدمته، وذلك لكي تسهل علينا حفظ اسمها، والذي يصعب علينا حفظه بالصينية.
تقول سامية باللغة العربية التي اجادتها، مثل حال الكثير من الصينيين الذين يتقنون لغات العالم المختلفة، ويسهلون بذلك الية التواصل مع الشعوب، وخاصة الاعلامييون منهم، ان الأمين العام شي جين بينج ، وعندما كان شابا، تخلى عن معيشة كريمة في العاصمة بكين، للتفاني في خدمة شعبه في فترة عمله في مقاطعة خبي في أوائل الثمانينيات، وهذا الانخراط والعمل والتفاني والانجاز يعد من مبادئ الحزب الشيوعي الصيني.
واضافت : " تنازل الأمين العام شي جين بينغ عن سيارته ليستخدمها الكوادر المسنين، مفضلا استخدم دراجته القديمة ذات إطار ب 28 بوصة بانتظام للتنقل بين القرى للقيام بأبحاث ميدانية وزيارة المزارعين ، وكان يرتدي زياً عسكرياً بالياً وحذاء عسكرياً قماشياً، ويحمل حقيبة خضراء على كتفه، ويركب الدراجة عبر ضفتي النهر ليتفقد حصاد الحبوب في الحقول، ويتحدث مع المزارعين عن حياتهم لمعرفة دخلهم وأحوالهم المعيشية، وهمومهم اليومية، ومقترحاتهم بشأن تنمية المحافظة، لإيجاد حلول لشكاواهم بجدية ، وخلال ثلاث سنوات، ترك أثره في خمسة وعشرين كمونة شعبية ، وأكثر من مائتين وعشرين فرقة الإنتاج ريفية ، حيث سهل ركوب الدراجة طريق الوصول إلى المناطق الريفية لإجراء زيارة ميدانية والبحث عن الواقع المحلي، بينما ازدادت معرفة الأمين العام شي عن المحافظة والأرياف، وقربًا وألفة بين الشعب ، مما ترك انطباعًا عميقا للجماهير.
بالإضافة إلى ذلك، كان يجلس في الشوارع على الطاولة لتجاذب أطراف الحديث مع الجماهير من أجل معرفة معيشتهم واستطلاع آرائهم، ووزع أول استبيانات الرأي العام في المحافظة، وكان باب مكتبه دائما مفتوحا لاستقبال الجماهير.
توضح سامية في قصتها الحقيقية والمشوقة ان ركوب السيارات الفاخرة بأنف شامخ دون الوصول إلى الجماهير لا يؤدي إلا إلى الابتعاد عنهم، أما الاستفسار عن شكاوى الجماهير بركوب الدراجات البسيطة، فيمكن تلمس همومهم وأقوالهم والتقارب مع قلوبهم ، وتكرر مقولة من مقولات الأمين العام شي جينغ بينغ أن يجب لأمين لجنة الحزب بالمحافظة أن يزور جميع القرى ويجب لأمين لجنة الحزب بالمدينة أن يزور جميع المحافظات والقرى، ويجب لأمين لجنة الحزب بمقاطعة أن يزور جميع المدن والمحافظات والقرى.
إن البحث العميق من الواقع أرسى أساسا متينا للأمين العام شي في ممارسة السلطة لاحقا بكل اقتدار وخبرة وشفافية ، مما انعكس باهتمامه الدائم بمعيشة الشعب، وسعيه وراء خدمة الشعب وإسعاده.
ان قصة "الدراجة" كرمز دلالي هام في مسيرة الأمين العام شي جين بينغ ابرزت المعاني السامية التي تحملها هذه القصة من اهمها العمل الجاد في فترة الشباب حيث تُشير الدراجة إلى الأيام التي قضاها شي جين بينغ في العمل بالريف (فترة "الشباب المثقف")، حيث كانت وسيلة نقل أساسية وتجسيداً للتجربة الواقعية والعمل الميداني الشاق في القواعد الشعبية.
كذلك الارتباط بمعيشة الشعب، حيث لا تمثل الدراجة مجرد أداة تنقل، بل ترمز إلى قربه من حياة الناس البسيطة، وفهمه العميق لاحتياجاتهم ومعاناتهم اليومية، مما شكل أساساً لاهتمامه الدائم بتحسين معيشة الشعب.
وتُستخدم هذه القصة لتأكيد فلسفة الحكم لدى شي جين بينغ، التي تضع "خدمة الشعب" وسعادته في مقدمة الأولويات، وتعكس أسلوب عمل "واقعي وملموس" بعيداً عن التنظير ، وتاتي في اطار تعزيز "التاريخ الحزبي" وإبراز القدوة للقيادة الصينية، بربط مسيرة القائد الشخصية بتاريخ الحزب ونضاله من أجل الشعب.
اذن ، الدراجة الهوائية التي استخدمها الامين العام لم تكن مجرد وسيلة تنقل بسيطة، بل رمز ثقافي وسياسي يحمل دلالات عميقة، تمثل التواضع والتقرب من الشعب، وترمز الدراجة إلى رفضه للبروتوكولات المعقدة، وحرصه على النزول إلى الميدان (الجذور والقواعد ) والتفاعل المباشر مع المزارعين والبسطاء، وفهم معاناة الناس ، حيث ان ركوب الدراجة في طرق ريفية وعرة مكّنه من فهم التحديات اليومية التي يواجهها الناس، وهو ما صقل خبرته الإدارية والسياسية في بداية حياته المهنية، كما وضع أساس لفلسفة "الحكم للشعب" فهذا الارتباط المبكر بحياة الناس البسيطة شكل الأساس لسياساته اللاحقة، مثل "تخفيف حدة الفقر الشاملة" والتركيز على "الرخاء المشترك"، حيث يشدد دائماً على أن الهدف النهائي هو تحسين معيشة الشعب الصيني ، لذلك، لم تكن الدراجة مجرد "أداة نقل"، بل هي جزء من سردية سياسية تهدف إلى إظهار القائد كواحد من عامة الشعب، يفهم احتياجاتهم ويعمل من أجلهم.


